فكتبت وبدأت حياةً جديدةً أروي ظمأها بالكتابة وأغني جوعها بالنقد وأشبع شهوتها بالتدبر, قد يكون في تلك الحياة الجدية لا أملك الصوت الكافي لأقول ما أريد أو الموهبة المتميزة التي تؤهلني لمركز متميز ولكني أملك رأس يفكر بطريقة غريبة نوعاً ما وعين ترى بشكل مختلف وأذن تستمع لأشياء خفية, فلهذا شعرت أني أصلح أن أكون كاتب ولو لنفسي فليس من واجبي أن أكتب للجميع أو لأحد ما, يكفيني أن أكتب لنفسي, وبصراحة تعجبني هذه الأنانية فأنا أفهم نفسي بشكل أفضل وبالتالي أفهم ما أدونه بشكل أفضل أيضاً.
لهذا لجأت للكتابة فأنا عندما أحب قد لا أملك القوة التي تدفعني للاعتراف لمن أحب ولكني أملك قوة القلم فأكتب وأصرخ كاتباً حبها, ناطقاً قلمي بديلاً عن لساني العاجز, لمصري أم لأمي أم لحبيبتي, فقلمي يعوض عجزي.
وألجأ للكتابة عندما أريد مصر قلبي أفضل ولا أعرف كيف وأري كل هؤلاء الحمقى يتسيدونها ولا أعرف كيف لا يقدرونها حق قدرها, وكيف لا يضعونها في مكانها الطبيعي, وكيف لا تكون هناك حيث القمر والحب والخير والرفاهية, وكيف لا تكون مصر بناسها وحواريها وأزقتها وبيوتها وعمائرها وأطفالها وعيونهم الجريئة, كل هؤلاء لا يكونون حيث من المفروض أن يكونوا, في عالم أفضل.
ألجأ للكتابة عندما أرى الغول ولا أستطيع أن أمسك عصاي وأطرده من حياتي وحياتنا جميعاً فأقول له حينئذٍ عينك حمرا يا غولة, قد يكون الكلام هرباً من الواقع, قد يكون خوفاً من المواجهة, ولكن الطبيب قال لي أُكتب فالكتابة بديل للانتحار.
فكانت المدونة ولم تكن لي وسيلة تواصل, أكثر من أن تكون وسيلة لحفظ ما أكتب ومواصلة الكتابة يومياً حتى لا تهرب مني أفكاري بعيداً, وسيلة لأن أبقى على قيد الحياة, قشة أمسك بها تنجيني من غرق في بحر الحياة فيملأ روحي تفاهات
فلهذا مر عام وأنا أكتب حياتي في دفتر الزمن فيا ليت الزمن يحفظ سطوري عني حين تغيب الشمس في الأفق وتنساني الأيام وينهال فوقي التراب ولا يبقى غير قول طبيبي…أُكتب فإن الكتابة بديل عن الانتحار.
