مما يزعجني ويضايقني ويثير حنقي جداً, أن تجد بعض الليبراليين والمتحررين فكرياً وثقافياً (أو هكذا أوهمونا) عندما يسمع كلمة “دولة إسلامية” تجده يكفهر وجهه ويطول منخاره وتحمر أذنيه وتتعصب يداه, وكأن ثعبان أحمق سيأتي بعد لحظات ليبتلعه!, وكلن عندما تأتي على مسامعهم دولة علمانية أو دولة شيوعية أو دولة اشتراكية أو دولة مدنية أو دولة رأسمالية أو حتى دولة مهلبية فتجدهم مناقشين وعندهم أكمل الاستعداد أن يتفقوا ويتفهموا ويصلوا في النهاية لنتيجة أما في “دولة إسلامية” فهي بخ عليها ستأتي لتبتلع حرياتنا الشاسعة وستفرض علينا فتنة طائفية نائمة في مهدها (لعن الله من أيقظها) وستجبرنا على عدم ممارسة الفن أو الغناء أو الرياضة وستأتي بأناس متزمتين لحاهم طويلة ونساء يرتدين خيام سوداء لا تعلم من خلفها رجل كان أو امرأة, وستعود بنا للخف خماشر ألف سنة وستفصلنا عن الغرب وستحرم علينا الدنيا وملذاتها وستفرض قيوداً علينا وقد تجبرنا بأنه يجب أن “نشرب اللبن قبل النوم” وطبعاً يعلم القاصي قبل الداني أن مثقفينا الأجلاء لا يحبون اللبن.
ولعله من الأسف أن نكون ليبراليين ومتحررين ومتنورين في كل شيء إلا في تلك القضية, ولا أقصد الجميع بالطبع بل هناك فئة من المثقفين وصوتهم عال للأسف سواء من حزب الحكومة أو من المعارضة لا يكادون ينامون من غير سب في الإسلاميين والمتأسلمين والحركات الإسلامية والأحزاب الإسلامية والمشاريع الإسلامية, ولا يتركون فرصة لأحد أن يثبت حُسن نيته.
وأتفق مع الجميع أشد الاتفاق في أنه لا يوجد ما يسمى بدولة “دينية” فتلك لم تكن موجودة غير في ظلمات القرون الوسط في القارة الأوروبية والتي كان يحكمها أو بمعني أدق يتحكم فيها البابا ويبيعون صكوك الغفران وكل ما نعرفه أو نجهله عن تلك العصور, أما في الإسلام فلا يوجد لا رهبنة ولا كهنة, وليس من الضروري أن يكون وزير البترول خريج جامعة الأزهر كلية أصول دين ولا وزير الداخلية خريج معهد إعداد الدعاة ولا وزير الدفاع خريج كلية الدراسات الإسلامية, فالإسلام يعطي كل ذي شأن شأنه في المجال الذي يفهمه ويعيه, فما دام أنه لا خروج عن صريح القرآن ولا السنة فليحكم الحاكم الذي يختاره الناس بالطريقة التي تعجبه وتيسر حياة شعبه, سواء كانت جمهورية برلمانية أم ملكية دستورية أو أي نظام لا يخرج عن قواعد الإسلام.
إذن فكلمة “دولة إسلامية” ليست عفريتاً أسود سيأكل الجميع ما إن يخرج من الزجاجة مثلما يصر أن يفهمنا البعض, فالمشكلة ليست في الإسلام مطلقاً بل في النوايا السيئة التي تنظر إليه بخوف ورعب على مصالحها.